السيد كمال الحيدري

441

أصول التفسير والتأويل

ذاته ، فكما وقع الاختلاف والتفاوت في مذاهب الخلْق واعتقاداتهم بين مجسِّم ومنزّه ومتفلسف ومعطّل ومشرك وموحِّد ، فكذا وقع الاختلاف والتفاوت بينهم في المفهوم ، فهذا ممّا دلّ على كمال القرآن ، لأنّه بحرٌ عميق ، غرق في تيّاره الأكثرون ، وما نجا منه إلّا الأقلّون » « 1 » . ومن الواضح أنّ هذا تفسير معرفىّ لمقولة البطون ، وإن كان يرجع إلى أساس وجودىّ هو الذات ، لكنّ الأساس في النظرية الوجودية لمنشأ البطون هو الذي ذكرناه متمثِّلًا بالتوازى الوجودي بين القرآن والإنسان والعالم ، وأنّ القرآن هو تعبيرٌ لفظىّ عن الإنسان والعالم ، ولمّا كان للوجود والإنسان مراتب متعدّدة ودرجات مختلفة ، فإنّ له على صعيد المعنى مراتب ومستويات متعدّدة ، لأنّ الوجودات الثلاثة هي تجلّيات ومظاهر لاسم الله الأعظم وما يندرج تحته من الأسماء والصفات . على هذا سيرجع ما ذكره صدر الدِّين الشيرازي في مقولة الكلام الإلهى إلى الأساس الوجودي ذاته ، ضمن قراءة ملخّصها أنّ الكلام الإلهى هو في بدء صدوره كان طليقاً من التعيّنات ، خلوّاً في ظهوره الأوّل من كلّ القيود لتناسبه ومسانخته مع ذات المتكلِّم البسيطة المطلقة ، لذلك راح يتنزّل عن مرحلة الإطلاق ويحجب بحجب متعدّدة حتّى صار بكسوة الحروف والأصوات . قال الشيرازي : « ولولا أنّه استتر كنه جمال كلامه بكسوة الحروف والألفاظ ، لما ثبت لسماع كلامه عرشٌ ولا فرشٌ ، ولتلاشى ما بينهما من سبحات نوره وعظمة برهانه . فالله لطيفٌ بعباده حيث أنزل إليهم نور كلامه في ليالي الأكوان الطبيعيّة وحُجب الصفات البشرية ، ولولا أن ثبّت الله موسى سلام الله على نبيّنا وعليه ، لما أطاق سماع كلامه ، كما لم يطق

--> ( 1 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 41 .